لا تَسَعُنا الفرحة بالنجاح الكبير الذي حققناه خلال الأعوام الماضية والذي تُوِّج بالافتتاح الرسمي للمركز الإقليمي لحفظ التراث الثقافي في الوطن العربي (إيكروم-الشارقة) في 14 كانون الأول/ديسمبر 2014 في إمارة الشارقة في دولة الإمارات العربية المتحدة.

يتقدم المركز المؤسَّس حديثاً بكامل التقدير والامتنان لسمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى وحاكم الشارقة  علىرعايته الكريمة ودعمه السخي للمركز منذ عام 2008، ولدولة الإمارات العربية المتحدة اللذين لهما الفضل الأكبر  بإنشاء المركز واستثمارهما المميز في تطوير المعارف في مختلف مجالات التراث الثقافي في الوطن العربي.

لقد كانت السنة الماضية حافلةً بالإنجازات والنجاحات، ولا نقصد بذلك افتتاح المركز فحسب، بل إن عام 2014 هو ختام المسك لعَقدٍ كاملٍ من إنجازات مركز إيكروم-الشارقة (برنامج آثار سابقاً) الذي كرَّس جُلَّ جهوده منذ إنشائه في عام 2004 لحماية التراث الثقافي في الوطن العربي. وهو اليوم من منصته في الشارقة يستمر بلا هوادة بالعمل للنهوض بقدرات المؤسسات التراثية الرسمية على إدارة المواقع التراثية والمجموعات المتحفية على أُسس مُستدامة. فيلتزم هذا المركز الإقليمي الأول من نوعه (إلى جانب مدرسة التراث الأفريقي في بنين) التابع لمنظمة الإيكروم بواجبه تجاه حماية التراث الثقافي في العالم العربي لفائدة المجتمعات المحلية والمنطقة ككل.

لقد اكتسب مركز  إيكروم-الشارقة من خلال أعماله جمهوراً واسعاً عبر الأعوام العشرة الماضية، فتابع هذا الجمهور أنشطته وأعماله منذ إنشائه مُقدِّراً الجهود التي يبذلها للارتقاء بمعارف المهنيين متوسطي الخبرة وتطوير مهاراتهم من خلال الدورات والندوات التي يقيمها، وما هذا الانتشار والتوسع سوى خير دليل على الأثر  الإيجابي الكبير لأعمال إيكروم-الشارقة في مجال بناء القدرات الذي كان وما يزال يعمل على تعزيزه. ويتجلى هذا الأثر الهام أيضاً في إنجازات المهنيين الذي شاركوا في دورات المركز  وفي نجاحاتهم ضمن سياق عملهم في المؤسسات التي ينتمون إليها، فالمعارف والمهارات التي اكتسبوها خلال مشاركتهم في أنشطة المركز أهَّلتهم للاضطلاع بمسؤولية قيادة مشاريع مهمة في بلادهم يساهمون من خلالها في حماية تراثهم الثقافي العربي الذي يتعرض بغالبيته إلى التهديد وحفظه بأحسن صورة لأجيالهم القادمة وللإنسانية جمعاء.

 ومن بين أهم الإيجابيات التي أسفرت عنها هذه الدورات والمبادرات هي زيادة نسبة مشاركة المؤسسات العربية وتفعيل دورها في مجال الحفظ، وخصوصاً كَوْن “الاستثمار” بدور العاملين في الجهات المسؤولة عن حماية التراث الثقافي في الوطن العربي هو الهدف الرئيسي الذي يسعى مركز إيكروم-الشارقة إلى تحقيقه.

وتتجلى الآثار الإيجابية لأنشطة المركز على عدة أصعدة، فلا تقتصر على مشاركة خرّيجي دورات المركز في مشاريع مختلفة فحسب، بل تتجسد أيضاً بمساهمتهم بالأنشطة التدريبية والإقليمية المتعددة التي تقام في الوطن العربي. فعلى سبيل المثال، كان لمجموعة من مشاركي المركز السابقين دور كبير في الدورة الثانية لتقديم التقارير الدورية للجنة التراث العالمي في الدول العربية التي أُعِدّت بالشراكة مع خبراء مركز إيكروم-الشارقة، هذا بالإضافة إلى عمل عدد من المشاركين في مجال التدريس على المستوى الجامعي والمشاركة في المنتديات الدولية.

لقد حَصَد مركز إيكروم-الشارقة ثمرة جهوده وإنجازاته من خلال الاعتراف الواسع الذي حَظِيَ به بعد عقد كامل من الجدّ والكدّ، فقد تتوجت نجاحاته بالقرارات التي صدرت عن اجتماعات وزراء الثقافة في الدو ل العربية، والتي كان أولها في الدوحة في تشرين الأول/أكتوبر2010، وثانيها في المنامة في كانون الأول/ديسمبر 2012، ثم تلاهما اجتماع الرياض في كانون الثاني/يناير 2015، حيث شدَّدت هذه القرارات على أهمية تقديم الدعم لمركز إيكروم-الشارقة من قبل الدول العربية من أجل تحقيق أهدافه التي تصبّ في حماية التراث الثقافي الغني في الوطن العربي بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليكسو).

ووصولاً إلى هذه الأهداف، يستمر مركز إيكروم-الشارقة بالعمل على تعزيز  كفاءته كنواة لنشر أفضل المعارف والممارسات المتعلقة بحفظ وإدارة التراث الثقافي، ومجال التعليم المهني والمتخصص و تحسين مستوى الوعي. وبالتعاون مع الدول الأعضاء ودعمهم، يصبو المركز إلى تطوير السياسات المعنية بالتراث الثقافي والتنسيق فيما بينها في الوطن العربي، لكي ترسم جميع هذه التوجهات مساراً يحذوه المركز  لتلبية الاحتياجات الملحّة في الوطن العربي ولتعزيز المعارف وتحسين مجال حماية وإدارة التراث الثقافي في المنطقة ولتوسيع مجالات التعرّف علىى تاريخه الثريّ وفهمه وتقديره..

وبفخر  بالإنجازات التي شهدناها على عدة أصعدة خلال العقد الماضي ( والتي نعرضها لكم في هذا العدد الخاص) نهديكم هذه النشرة الدورية تعبيراً عن تقديرنا لجميع من ساهم بنجاح مركز إيكروم-الشارقة واحتفالاً بالسنوات العشرة الماضية التي سطرتها إنجازتنا التي بدأت من برنامج آثار ونكملها الآن من مقرّنا الإقليمي في الشارقة. كما واستقبلنا استقبلنا هذا العام الجديد بخطط أكبر لدورات ومنشورات نأمل من خلالها الوصول إلى شريحة أوسع من المتلقين لزيادة وعيهم تعزيز معارفهم واضطلاعهم بمجال التراث الثقافي وحفظه والتعريف به، وهو ما يصبُّ في لُبّ شعارنا الجديد: “المعرفة … مستقبل تراثنا”.

د. زكي اصلان،

مدير ايكروم-الشارقة