تحت الضوء مبادرة إيكروم- الشارقة الجديدة بعنوان “مدينة”

تحت الضوء مبادرة إيكروم- الشارقة الجديدة بعنوان “مدينة”
 البريد الإلكتروني
طباعة

تتميز الأحياء والمدن التاريخية بتأثيرها في تشكيل الثقافة والهوية، فالمدن التاريخية الحيٌة شاهدٌ هامٌ على إنجازات الأجداد وتطلعاتهم، وخزان التقاليد والخبرات التي استمرت للوقت الحاضر فورثها الإنسان، وثروةٌ اجتماعيةٌ وثقافيةٌ واقتصاديةٌ تؤدي خسارتها، إذا تعرضت إلى مخاطر بشرية أو طبيعية، لآثارٍ سلبيةٍ كبيرةٍ على منظومة القيم الاجتماعية والثقافية للمجتمع والسكان، ولذلك لابد من الحفاظ عليها وعلى إستمرارية حيويتها لتكون ركيزةً يحافظ بها الأحفاد على هويتهم وثقافتهم في عصر تسارع العولمة.

         تعاني الأحياء والمدن التاريخية في المنطقة العربية من سرعة التحول من نمط الحياة التقليدية إلى نمط معاصر أدى إلى زيادة الضغوطات عليها بشكلٍ مفاجئٍ ومدىً غير مسبوق. وتنوعت هذه الضغوطات بين النمو العمراني السريع الذي يكاد في حالاتٍ كثيرةٍ يلتهم المدن التاريخية، وانفجارٍ سكانيٍ يزيد الضغط على البنى التحتية لدرجةٍ أنهكتها. كما أن ظاهرة الهجرة من الريف إلى المدن أثرت سلباً على المدن التاريخية. وقد برزت في السنوات الأخيرة، إلى جانب المخاطر التقليدية التي تعاني منها المدن عامةً، تحدياتٌ جديدةٌ منها تسليع التراث والإفراط في عرضه للسياح. ولكن الاحتباس الحراري والتلوث هو من أخطر هذه التحديات، فوفق الدراسات الحديثة سيؤدي الاحترار العالمي لزيادة الكوارث حول العالم. وسيؤدي لضغوطٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ ستنعكس سلباً على جودة الحياة، وجهود الحفاظ على المدن التاريخية. إضافة إلى ذلك، ظهرت في منطقتنا العربية الآثار المدمرة المحتملة للنزاعات والكوارث.

ونظراً للطبيعة الديناميكية للمدن بشكلٍ عام، إذ تفرض عليها طبيعة الحياة أن تتطور لتتلاءم مع متطلبات العصر، على إدارة المدن التاريخية الحية أن تسعى لتحقيق الموازنة الدقيقة بين الحفاظ على التراث والتقاليد من جهة والنمو والتطور لمواكبة الحداثة من جهةٍ أخرى، ويشكل تحقيق هذا التوازن تحدٍّ صعباً للغاية. وتزداد هذه المهمة تعقيداً إن أخذنا في الاعتبار التطور الحاصل في فهم المدن التاريخية، ففي حين كان الحفاظ في الماضي يركز على الصروح المعمارية المنفردة، توسع اليوم ليشمل محيط الحي أو المدينة التاريخية، طبيعياً كان أم بيئة مبنية، والحرص على حفظ التراث غير المادي، والعلاقات الاجتماعية والثقافية التي تحفظ جزءاً من هوية وحيوية المدينة. إلا أن السياسات الثقافية القائمة في العالم عموماً وفي المنطقة العربية خصوصاً لا تعكس هذا التحول. كما أن رسم السياسات وحده لا يكفي، ولابد من وضع آليات تنفيذ وآليات مراقبة ومتابعة عملية تعكس طبيعة المدن الحيوية والأحياء التاريخية بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية. إن التباين بين أهداف القوانين والسياسات المرسومة والواقع الذي تنتجه هذه السياسات على الأرض هو واحد من أهم التحديات التي لابد من معالجتها لتحقيق النجاح في إدارة المدن والأحياء التاريخية.

لهذه الأسباب، تعمل إيكروم على صياغة برنامجٍ جديد باسم برنامج “مدينة” لحفظ المدن التاريخية في المنطقة العربية يهدف إلى دعم وتعزيز إدارة المدن التاريخية الحية في المنطقة العربية باتباع منهجيات متكاملة يسهم فيها التراث الثقافي في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

تشمل الأهداف العامة لمبادرة “مدينة”:

 

1-    بناء القدرات: يتمثل أحد أهداف المشروع في بناء قدرات المؤسسات العاملة مع المجتمعات المحلية والبلديات من أجل الاستجابة لمختلف التحديات التي تواجهها المدن التاريخية في المنطقة العربية.

2-     توثيق المعارف التقليدية المحلية مع إسنادها جغرافياً باستخدام تقنيات نظم المعلومات الجغرافية. وسيتيح تحقيق هذا الهدف أداةً فعالةً تمكّن الشركاء المحليين المفترضين من جامعات أو مؤسسات حكومية من تعميق أبحاثها الأكاديمية أو الاستراتيجية حول المعارف التقليدية واحتمالات الاستفادة منها في الاستعداد للمخاطر التي تتعرض لها هذه المدن مثل الاحترار العالمي؛

3-    بناء الشراكات: سيسعى البرنامج إلى بناء شراكات مع أصحاب المصلحة والشركاء المحليين الذين تتقاطع غاياتهم وأهدافهم مع أهداف مبادرة “مدينة”، مثل البلديات والجامعات والمنظمات غير الحكومية وغيرها. ويمكن أن تطال هذه الشراكات المبادرات الفنية مثل صالات الفنون، والحفلات الموسيقية في المدن التاريخية، وفنون الشوارع، والفنون الأخرى التي من شأنها أن تدعم الإبداع، وتحسّن جودة حياة المجتمعات المحلية.

وبمناسبة إطلاق مبادرة “مدينة” نظمت إيكروم الشارقة معرضاً عن المدن التاريخية خلال الدورة الأخيرة لاجتماع لجنة التراث العالمي لليونسكو الذي عقد في مدينة باكو في أذربيجان. تضمن المعرض ملصقات تستعرض مدناً تاريخية من الدول الأعضاء المختلفة من المنطقة العربية، مدرجة على قائمة التراث العالمي أو على القائمة المؤقتة. ركز المعرض على ضرورة حماية قيم التراث الغنية لهذه المدن، مادّيّةً كانت أم لامادّيّة، والتصدي للمخاطر الرئيسية التي تهددها.

ينظم مكتب إيكروم-الشارقة ندوات عمل الافتراضية هذه كخطوة أولى من هذه المبادرة، تهدف في المقام الأول إلى تشجيع الجهات الفاعلة الدولية والإقليمية والوطنية العاملة في مجال الحفاظ على التراث العمراني على المشاركة في وضع أهداف وتخطيط وتنفيذ مبادرة “مدينة” في المستقبل.